الجصاص
149
أحكام القرآن
قال : حدثنا حماد : أخبرنا حميد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " ، فأوجب الجهاد بكل ما أمكن الجهاد به . وليس بعد الإيمان بالله ورسوله فرض آكد ولا أولى بالإيجاب من الجهاد ، وذلك أنه بالجهاد يمكن إظهار الاسلام وأداء الفرائض ، وفي ترك الجهاد غلبة العدو ودروس الدين وذهاب الاسلام ، إلا أن فرضه على الكفاية على ما بينا . فإن احتج محتج بما روى عاصم بن زيد بن عبد الله بن عمر عن واقد بن محمد عن أبيه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بني الاسلام على خمس " ، فذكر الشهادتين والصلاة والزكاة والحج وصوم رمضان ، فذكر هذه الخمس ولم يذكر فيه الجهاد ، وهذا يدل على أنه ليس بفرض . قال أبو بكر : وهذا حديث في الأصل موقوف على ابن عمر ، رواه وهب عن عمر بن محمد عن زيد عن أبيه عن ابن عمر أنه قال : " وجدت الاسلام بني على خمس " ، وقوله : " وجدت " دليل على أنه قاله من رأيه ، وجائز أن يجد غيره ما هو أكثر منه ، وقول حذيفة : " بني الاسلام على ثمانية أسهم أحدها الجهاد " يعارض قول ابن عمر . فإن قيل : فقد روى عبيد الله بن موسى قال : أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان قال : سمعت عكرمة بن خالد يحدث طاوسا قال : جاء رجل إلى ابن عمر فقال : يا أبا عبد الرحمن لا تغزو ؟ فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " بني الاسلام على خمسة " ، فهذا حديث مستقيم السند مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم . قيل له : جائز أن يكون إنما اقتصر على خمسة لأنه قصد إلى ذكر ما يلزم الانسان في نفسه دون ما يكون منه فرضا على الكفاية ، ألا ترى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود وتعلم علوم الدين وغسل الموتى وتكفينهم ودفنهم كلها فروض ولم يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم فيما بني عليه الاسلام ؟ ولم يخرجه ترك ذكره من أن يكون فرضا ، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما قصد إلى بيان ذكر الفروض اللازمة للإنسان في خاصة نفسه في أوقات مرتبة ولا ينوب غيره عنها فيه ، والجهاد فرض على الكفاية على الحد الذي بينا ، فلذلك لم يذكره . وقد روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على وجوبه ، وهو ما حدثنا عن عبد الله بن شيرويه قال : حدثني إسحاق بن راهويه قال : أخبرنا جرير عن ليث بن أبي سليم عن عطاء عن ابن عمر قال : لقد أتى علينا زمان وما نرى أن أحدا منا أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم ، حتى إن الدينار والدرهم اليوم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم ، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد أدخل الله عليهم ذلا لا ينزعه عنهم حتى يراجعوا دينهم " .